الأستاذ عيسى بن سهيل الفلسطيني

من كنيسة فلسطين إلى الإسلام

ولدتُ نصرانيًا في عائلة نصرانية في فلسطين على مذهب الروم الأرثوذكس. نشأت في بيئة تعرف الكنيسة ودرست في مدارس خاصة تابعة للكنيسة الكاثوليكية وتعلمت فيها شيئًا من النصرانية وكنت أذهب مع جدي إلى الكنيسة أيام الأحد.

كنت أرى نفسي ابنًا لتلك البيئة، أحمل اسمًا نصرانيًا، وأنتمي إلى عائلة نصرانية رغم أني أعيش في بلد يغلب على أهله الإسلام. بعد أن أنهيت الثانوية في فلسطين، سافرت إلى أمريكا للدراسة. عندما وصلت إلى أمريكا في ذلك الوقت ظننت أن مشاكلي قد انتهت. دخلت بلدًا لا حرب فيه كالتي عرفتها في فلسطين وفيه مستوى عالٍ من المعيشة، ونظام، وفرص عمل، وحياة تبدو في ظاهرها مريحة كشعور كثير من الناس الذين يتركون بلادهم للعيش في الغرب.

ولأنني كنت نصرانيًا، ظننت أنني سأشعر بانتماء أقوى في بلد يكثر فيه النصارى لكن مع مرور الوقت بدأت أشعر أن هذه الحياة، رغم ما فيها من رخاء، ينقصها شيء كبير.

بدأت أفتقد أمورًا كنت أراها في المجتمع المسلم في فلسطين. مثلا بر الوالدين فكثير من الآباء والأمهات يعيشون وحدهم في أمريكا أو يُتركون في دور العجزة. وكذلك افتقدت توقير الصغير للكبير، والحياء، وصلة الرحم.

فأذكر مرة أنني طلبت سيارة أجرة، وكانت امرأة أمريكية عجوز تقف في الطريق بجانبي، فطلبت من السائق أن يقلها بدلًا مني مراعاة لكبر سنها، لكنه رفض بحجة أنني أنا من طلب السيارة، لا هي.

وعلى مستوى العلاقات، كان لي أصدقاء مسلمون في فلسطين، مع أنني كنت نصرانيًا، ومع غيابي الطويل في أمريكا كانوا يراسلونني ويسألون عن حالي. وفي المقابل، وجدت أن كثيرًا ممن يشاركونني العقيدة النصرانية في أمريكا لا يسألون عني إلّا قليلا منهم. الحياة هناك فردية وقطيعة الرحم أصبحت أمرًا عاديًا عند كثير من الناس.

كما رأيت انتشار الفاحشة، مع أن التوراة صريحة في تحريم الزنا. فبعض صور الزنا صارت أمرا عاديا هناك بحيث صار العرف في أمريكا أن يتخذ الشاب صديقه قبل الزواج يساكنوا بعضهم بعضا ليتأكدوا من وجود التكافئ بينهم قبل عقد الزواج.

ما قيمة التطور و التقدم المادي إذا فَقَد الإنسان بوصلته؟! وما قيمة المال إذا ضاع الحق والدين؟! بدأت أستشعر أن الدين ليس مجرد طقوس، بل هو الذي يمنح معنا لحياة الإنسان ويجعله يعرف لماذا يعيش، ولمن يعيش، وإلى أين يسير.

وأثناء تحصيل الشهادات العليا في الاقتصاد في أمريكا، كنت أتعامل مع أساتذة كبار في مجالهم، كنت ألاحظ أن من لا يستند إلى وحي ثابت يقع في تناقضات كثيرة. مرة يجعل الشيء حقًا، ثم يتغير بعد سنوات فيصبح باطلًا و العكس ، و كنت أشعر دائمًا أن هناك شيئًا ناقصًا، وأنه لا بد أن تكون للإنسان مرجعية ثابتة، سالمة من أهواء البشر، ومن الخطأ والزلل.

ومن هنا بدأت رحلتي في البحث عن الحق: فأخذت أبحث عن بديل لهذه المنظومة الغربية المتناقضة من خلال قرائتي عبر الشبكة الالكترونية وفي أثناء بحثي ذات مرة لفت نظري حوار مع رجل أمريكي أسلم. وفي أثناء كلامه ذكر آية من القرآن الكريم، وهي قول الله تعالى:

﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ﴾

المائدة: 73

ثم بعد ذلك سمعت قول الله تعالى:

﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ﴾

المائدة: 72

وكانت هذه أول مرة أسمع فيها الآيات رغم أني قضيت طفولتي في فلسطين! شعرت بالخوف من الله: ماذا لو كنت كافرا حقًا؟ قلت أنه لا بد أن أجد في النصرانية جوابا يطمئن به قلبي ويرد عني ما سمعت من القرآن . عرفت بوجود كنيسة عربية تشبه الكنيسة التي كنت أذهب إليها صغيرًا مع جدي. صرت أذهب إليها كل أحد رغم أنها كانت بعيدة بعض الشيء. وجدت أن غالب النصارى العرب في أمريكا قد تأثر هو أو أبناؤه وتطبع بالمجتمع الأمريكي الذي ظهر عندي تناقضه! وأصبح الدين عنده عادة اجتماعية وأصبحت العادات والتقاليد العربية أمرا منسيا.

استمريت بالبحث عن الحق بنفسي عبر الشبكة الالكترونية: درست النصرانية والإسلام دراسة مكثفة، وقرأت الشبهات والردود، بالعربية والإنجليزية، واطلعت على نصوص من اليونانية والعبرية، وقرأت في الأديان الأخرى والفلسفات الشرقية، واطلعت على شبهات الملحدين والمشككين. لم أترك أمرًا مهمًا إلا وبحثت فيه. كنت أريد الحق، ولو كان على نفسي. وكنت ادعو الله أن يظهر الحق وبأدلة قاطعة وجدت ذكر الرسول عليه الصلاة والسلام في مواضع عدة في التوراة والإنجيل وكشفت بفضل الله شيئا من تحريفات المترجمين مصداقا لقوله تعالى: الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ ۖ وَإِنَّ فَرِيقًا مِّنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ (146) فتيقنت حينها انّ الاسلام هو الحق المبين وصرت مسلما.