الأستاذ عيسى بن سهيل الفلسطيني

الحدادية

الدفاع عن الامام ابي حنيفة رحمه الله

بسم الله والصلاة والسلام على رسول الله وبعد…

فظهر في الاونة الاخيرة أحد رؤوس الحدادية على وسائل التواصل يباهل على الطعن في أئمة وعلماء المسلمين ومنهم ابي حنيفة رحمه الله!! فقال أن الإمام أبا حنيفة وهو أحد الأئمة الأربعة التي شهدت لهم أمة محمد عليه الصلاة والسلام بالإمامة في الدين أنه مبتدع. أولا هذا في ذاته دليل يكفي اللبيب أن هذا الشاب ليس بمجدد. فقد سمعت أحد طلاب الألباني رحمه الله يقول أن الالباني لما بدا له قول في اللحية يخالف ما كان يذهب اليه كثير من علماء عصره توقف في المسألة وكتمها خمسة عشرة سنة!! وهذا في اللحية فكيف بالطعن بأحد أئمة المسلمين! وهذا من حرص الشيخ الألباني رحمه الله على الدين والتثبت من أقواله حتى لا يحدث قولا جديدا فيه وهذا هو دأب المجددين. وأما الحدادية فظنوا انهم استكملوا العلم في الدين واخذوا يذيعون شبهاتهم كما سيأتي على انها اجتهاد سائغ وتجديد في الدين!! بل هو ابتداع وخروج عن سبيل المؤمنين .. فأين الثرى من الثريا!!..

استند هؤلاء الحدادية في طعنهم في ابي حنيفة رحمه الله على نقولات في كتب السلف ككتاب السنة لعبدالله بن أحمد رحمه الله وفيها كلام لأئمة معروفين ومشهود لهم بالعلم تكلموا في ابي حنيفة رحمه الله لعده أمور منها أنه من أهل الرأي. فاقول ردا على هذه الشبهة أن كلام أئمة السلف في زمانهم الذي فيه طعن في أبي حنيفة لم يأخذ به من جاء بعدهم فأمة محمد عليها الصلاة والسلام استقر أمرها على تعديل ابي حنيفة رحمه الله والشهود له بالامامة في الدين والثناء عليه دون القدح فيه وكذلك اتباع السلف كابن تيمية رحمه الله ومن عاصره وجاء بعده من أئمة السلف المتأخرين والمعاصرين كالشيخ ابن باز وابن عثيمين والألباني رحمهم الله لم يأخذوا بالقدح في ابي حنيفة رحمه الله.

بل الصحيح أن القدح في ابي حنيفة هو مخالفة لمنهج السلف رضي الله عنهم كما جاء في عدة مواضع من كلام ابن تيمية رحمه الله:

قَولُه: (من ظنَّ بأبي حنيفةَ أو غيرِه من أئمَّةِ المُسلِمينَ أنَّهم يتعمَّدونَ مخالفةَ الحديثِ الصَّحيـحِ لقياسٍ أو غيرِه، فقد أخطأَ عليهم، وتكلَّم إمَّا بظَنٍّ وإمَّا بهوًى)(مجموع الفتاوى (20\304)).

وقَولُه: (كما أنَّ أبا حنيفةَ وإن كان النَّاسُ خالفوه في أشياءَ وأنكروها عليه، فلا يستريبُ أحدٌ في فِقهِه وفَهمِه وعِلمِه، وقد نقلوا عنه أشياءَ يَقصِدونَ بها الشَّناعةَ عليه، وهي كَذِبٌ عليه قَطعًا)(منهاج السنة النبوية (2\620)).

وقَولُه: (... وأئمَّةُ الإسلامِ المعروفونَ بالإمامةِ في الدِّينِ؛ كمالكٍ، والثَّوريِّ، والأوزاعيِّ، واللَّيثِ بنِ سَعدٍ، والشَّافعيِّ، وأحمدَ، وإسحاقَ، وأبي حنيفةَ، وأبي يوسُفَ، وأمثالِ هؤلاء)(منهاج السنة النبوية (2\316)).

وقَولُه: (من كفَّر أبا حنيفةَ ونحوَه من أئمَّةِ الإسلامِ الذين قالوا: إنَّ [اللهَ] فوقَ العرشِ، فهو أحقُّ بالتَّكفيرِ؛ فإنَّ أئمَّةَ الإسلامِ الذين أجمع المسلِمونَ على هدايتِهم ودرايتِهم، ولهم في الأمَّةِ لِسانُ صِدقٍ من الصَّحابةِ والتَّابعينَ وتابعيهم، كالخُلَفاءِ الرَّاشدينَ ... ومِثلُ مالكٍ، والثَّوريِّ، واللَّيثِ بنِ سَعدٍ، والأوزاعيِّ، وأبي حنيفةَ، ومِثلُ الشَّافعيِّ، وأحمدَ بنِ حَنبَلٍ ... وأمثالُ هؤلاءِ، من كفَّرهم فقد خالف إجماعَ الأمَّةِ وفارق دينَها؛ فإنَّ المؤمنينَ كُلَّهم يُعظِّمون هؤلاء ويحسِنونَ القولَ فيهم)(جامع المسائل (7\338))

وقبل أن يظن ظان أن ابن تيمية خفيت عليه أقوال السلف التي فيها قدح لابي حنيفة رحمه الله فليراجع قوله في الرد على السبكي في مسألة تعليق الطلاق: "وقد طعن كثيرٌ من الناس في كثير من الأئمة، ولم يوجب ذلك منع الاعتداد بقوله…فكثيرٌ من الحنفية والمالكية طعنوا في الشافعي - رضي الله عنه - في نَسَبِهِ وعلمه وعدالته .. وأكثر أهل الحديث طعنوا في أبي حنيفة - رضي الله عنه - وأصحابه طعنًا مشهورًا امتلأت به الكتب، وبلغ الأمر بهم إلى أنهم لم يرووا عنهم في كتب الحديث شيئًا، فلا ذِكْرَ لهم في الصحيحين والسنن.." (2\837). انظر ايها المنصف كيف ترضى اي قال ابن تيمية رحمه الله "رضي الله عنه" في كلامه عن ابي حنيفة كما قال عن الشافعي.. فهل يترضى على ما دون الأئمة فضلا عن مبتدع..!! فتأمل!! وهنا ينبه على مسألة وهي أن وصف الامامة يلزم منه أن صاحبه عدل والمبتدع ليس بعدل!! وقد ناظرت بعض طلاب العلم البادئين وتعجبت أنهم يجوزون للمبتدع ان يكون إماما للمسلمين وهذا خطأ ظاهر. وما عليه ابن تيمية رحمه الله وافقه عليه أئمة السلف المعاصرين كابن باز وابن عثيمين والألباني رحمهم الله وغيرهم كالشيخ صالح الفوزان حفظه الله فعندما سئل الشيخ عن ابي حنيفة أجاب في مقطع له بصوته على الشبكة غاضبا: ".. هو امامنا وقدوتنا يرضى من يرضى ويغضب من يغضب.." وكل هذا يدل على أن الأمة جمعاء في الأزمنة المتأخرة أطبقت على الشهود لابي حنيفة رحمه الله بالخير وقد جاء في الحديث: عن أَنسٍ قَالَ: مرُّوا بجنَازَةٍ فَأَثْنَوا عَلَيْهَا خَيرًا، فَقَالَ النبيُّ ﷺ: وَجَبَتْ، ثُمَّ مرُّوا بِأُخْرَى فَأَثْنَوا عَلَيْهَا شَرًّا، فَقَال النَّبيُّ ﷺ: وَجبَتْ، فَقَال عُمرُ بنُ الخَطَّاب : ما وَجَبَتْ؟ قَالَ: هَذَا أَثْنَيتُمْ علَيْهِ خَيرًا فَوَجَبَتْ لَهُ الجَنَّةُ، وهَذَا أَثْنَيتُم عَلَيْهِ شَرًّا فَوَجَبَتْ لَهُ النَّارُ، أنتُم شُهَدَاءُ اللَّهِ في الأرضِ. متفقٌ عَلَيْهِ.

فالكلام في ابي حنيفة رحمه الله في هذه الأزمة المتأخرة ليست مسالة خلافية بين راجح ومرجوح بل هي من المسائل القطعية ولهذا كان ابن تيمية رحمه الله يرى تكفير من كفر ابي حنيفة رحمه الله: "من كفَّر أبا حنيفةَ ونحوَه من أئمَّةِ الإسلامِ الذين قالوا: إنَّ [اللهَ] فوقَ العرشِ، فهو أحقُّ بالتَّكفيرِ؛ فإنَّ أئمَّةَ الإسلامِ الذين أجمع المسلِمونَ على هدايتِهم ودرايتِهم، ولهم في الأمَّةِ لِسانُ صِدقٍ من الصَّحابةِ والتَّابعينَ وتابعيهم، كالخُلَفاءِ الرَّاشدينَ ... ومِثلُ مالكٍ، والثَّوريِّ، واللَّيثِ بنِ سَعدٍ، والأوزاعيِّ، وأبي حنيفةَ، ومِثلُ الشَّافعيِّ، وأحمدَ بنِ حَنبَلٍ ... وأمثالُ هؤلاءِ، من كفَّرهم فقد خالف إجماعَ الأمَّةِ وفارق دينَها؛ فإنَّ المؤمنينَ كُلَّهم يُعظِّمون هؤلاء ويحسِنونَ القولَ فيهم" .. وربما صدر من بعض علماء السنة المعاصرين شيئا من الكلام في ابي حنيفة رحمه الله دون التصريح بالتبديع وهذا قول مرجوح كما تقدم لا يتابع صاحبه عليه مع حفظ مكانته.

وأما الرد على الإشكال وهو ما سبب عدم متابعة أئمة السلف المتأخرين وعلماء المسلمين لكلام المتقدمين في الطعن في ابي حنيفة رحمه الله .. فالجواب أن هؤلاء الأئمة والعلماء ظهرت لهم علة مانعة من القدح في ابي حنيفة رحمه الله بالرغم من هذا الجرح المذكور فتوقفوا. قال الرسول عليه الصلاة والسلام: "إِنَّ الْحَلَالَ بَيِّنٌ، والْحَرَامَ بَيِّنٌ، وبَيْنَهُمَا مُشْتَبِهَاتٌ لَا يَعْلَمُهُنَّ كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ..". فهناك مسائل خفية في دين الله سبحانه وتعالى لا يعلمها إلا الراسخون في العلم فلولا هذه المسائل لكان الجاهل كالعالم ولهذا أمرنا الله سبحانه وتعالى أن نسأل العدول من أهل العلم في قوله تعالى: وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًا نُّوحِي إِلَيْهِمْ ۚ فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (43). وابن تيمية رحمه الله من المشهود لهم بالعدل وهو أعلم بكلام السلف وخلافهم وكان يرى امامة ابي حنيفة رحمه الله ووافقه على ذلك عامة من جاء بعده من أئمة السلف رضي الله عنهم بل المسلمين جميعا.

فاجماع المسلمين وما جاء من كلام ابن تيمية رحمه الله يكفي المسلم اللبيب ليكف لسانه عن ابي حنيفة رحمه الله. ولكن لعل فيما سيأتي مزيد بيان. أولا لابد ان يعلم أن أهل الراي ليسوا أهل الكلام. فالراي هو التوسع في النظر بالعلل والمقاصد والقياس في الفقه كما سيأتي واما علم الكلام فهو الاعتماد على الفلسلفة اليونانية في العقيدة. فهما شيئان مختلفان تماما لا علاقة بينهما. فابو حنيفة رحمه الله كان سلفيا في الأسماء والصفات بعيدا كل البعد عن علم الكلام.

ثانيا الاجتهاد في الدين مبني على مصطلح الحديث وأصول الفقه. قال الالباني رحمه الله: "ولذلك فقد نبَّهت من عهد قريب على أنِّي أنصح طلاب العلم أن يدرسوا علمي الأصول ؛ أصول الحديث وأصول الفقه" (متفرقات 167 دقيقة 9:25). فانه معلوم بالضرورة لكل مجتهد أن العلم بالأحاديث لا يكفي بل لابد من اصول الفقه لتوفيق بين الأحاديث وكذلك لابد من القياس. فلا يتصور وجود نص صريح في كل مسألة ونازلة فكثير من الاجتهاد مبناه على القياس. ومن أصول الفقه كذلك النظر في العلل ومقاصد الشريعة. فكم من ظواهر الحديث تصرف عن ظاهرها أو يعدل عنها لحاجة او مصلحة راجحة. والحقيقة ان اصول الفقه بابه واسع وعلم المجتهدين فيه بين مقل ومستكثر. فأهل الرأي وامامهم أبي حنيفة رحمه الله اعتنوا باصول الفقه اكثر من اعتنائهم بعلم الحديث إن صح التعبير. وهذا خلاف الأصل فالعناية بكتاب الله وما ثبت عن نبيه صلى الله عليه واسلم أهم وأولى ولكن لعل أهل الرأي الأوائل ومنهم أبي حنيفة كان لهم عذر. فلعل ظهور الفتن في زمان ابي حنيفة رحمه الله وعدم تفريقه بين رجال الحديث ألجأته الى التوسع في القياس ولعله ظهرت له مسائل لم يجد الا القياس ليجيب عليها اضطرارا والاحتمالات في هذا كثيرة. وأما اليوم فمن تدبر مسائل الفقه في النوازل وغيرها وجد أن كثيرا منها لا يمكن الإجابة عليها إلا بأدلة أصول الفقه كالنظر بالعلل ومقاصد الشريعة والعرف الصحيح والموازنة بين المصالح والمفاسد والقياس.

وأما من حيث كلام أهل الحديث في ابي حنيفة رحمه الله فاعلم أولا أن هذه الأخبار لا يتساهل في قبولها فلا بد من تحقيق صحيحها من ضعيفها. وذلك لأنها وردت في أمر فيه مظنة الفتنة. فالأخذ والرد والشدة بين أصحاب المذاهب في تاريخ المسلمين معلوم وقد يدخل فيه من التحاسد وحظ النفس والفتنة ما يدخل فيلزم التحقق من نسبة الاقول في ابي حنيفة رحمه الله الى قائلها من الأئمة.

ثانيا لابد من التمييز بين ما صح من هذه الأخبار وتحري حقيقة مدلولها. فليس كل ذم للرأي وأهل الرأي أو رأي ابي حنيفة رحمه الله في مسألة ذم لشخصه ضرورة. فبعض الاثار مثلا جاء فيه أن بلدا يعمل فيه برأي ابي حنيفة فجاء في الاثر ما معناه "لا ينبغي لبلدكم أن تسكن". فهذا ذم لرأي ابي حنيفة رحمه الله لكنه ليس ذما له ضرورة. فمعلوم الى يومنا هذا أن الرأي والقياس ضرورة والتوسع فيه لغير ضرورة محل ذم وضياع لكثير من مسائل الدين والبلد الذي يعمل فيه بالمذهب الحنفي مظنة التوسع في الرأي وفساد كثير من مسائل الدين لذلك. فهذا صحيح من هذا الوجه لا إشكال فيه دون لزوم الطعن بشخص ابي حنيفة رحمه الله. فلا يلزم من كون أبي حنيفة رحمه الله من أهل الرأي أنه يقر التوسع فيه لغير ضرورة كما يفعل كثير من المنتسبين لطريقته. بل جاء عنه صراحة التوصية بترك رأيه عند ثبوت الحديث عن الرسول عليه الصلاة والسلام.

أخيرا الآثار التي تثبت حقيقة عن أئمة السلف المعتبرين وذمهم في شخص أبي حنيفة رحمه الله لا يلزم كونها في محلها من كل وجه مع حفظ قدر قائلها. فلابد ان يعلم ان ذم أهل الرأي حقيقة يحتاج الى تحرير وليس هذا مقام التفصيل في ذلك ولكن خلاصة ما يهمنا ما يأتي. فاليوم مثلا أقوال المذاهب الأربعة معتبرة في الفقه عند المسلمين جميعا. فلاشك أن في كل مذهب مسائل صحيحة ليست في الاخرى والا ما الفائدة من اعتبارها؟!! ... فمذهب ابي حنيفة رحمه الله فيه بعض المسائل الموافقة للصواب لا تكون في مذهب أحمد مثلا. فإن كان الأمر كذلك اليوم فكذلك كان لابي حنيفة رحمه الله مسائل صحيحة او تحتمل وجه اجتهاد صحيح لقوته في القياس خفيت على أقرانه من أئمة الحديث وان جل قدرهم... فلعل ابي حنيفة رحمه الله أصاب في بعض المسائل الخفية التي تظهر في بادئ الأمر أنها مخالفة للدليل أو أن يكون أخطأ رحمه الله بمخالفة احاديث ثابته عند الأئمة فلم يعذروه وتكلموا فيه في وقتها ثم تبين في ما بعد عند المحققين أن قوله وان كان خاطئا مبني على أصول اجتهاد صحيحة عند غياب الدليل فعذروه وكل هذا محتمل. واحتمال أخر وهو قول بعض أئمة السلف ما قالوا لما وصلهم من أخبار غير صحيحة عن أقوال لابي حنيفة رحمه الله مع اشتهاره بالرأي فأخذوا بالأقوال وتكلموا فيه حينها وهذا يحصل ثم تبين أنه غير مستحق لذلك. وهناك احتمالات اخرى كثيرة يكتفي اللبيب ببعضها ليكف لسانه ويتوقف كما توقف من هو أعلم وأورع منه من أئمة السلف في القرون المتأخرة.