الأستاذ عيسى بن سهيل الفلسطيني

الحدادية

الأصل السلامة: السني بالمعنى الخاص و العام والمبتدع

بسم الله والصلاة والسلام على رسول الله أما بعد..

قال تعالى: ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا ۖ فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِّنَفْسِهِ وَمِنْهُم مُّقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ ۚ ذَٰلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ (32)

وقال تعالى: مَّنِ اهْتَدَىٰ فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ ۖ وَمَن ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا ۚ وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَىٰ ۗ وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّىٰ نَبْعَثَ رَسُولًا (15)

قال الرسول عليه الصلاة والسلام: لا تَزالُ طائِفةٌ مِن أُمَّتي ظاهِرينَ على الحَقِّ، لا يَضُرُّهم مَن خَذَلَهم، حتَّى يَأتيَ أمرُ اللهِ -وفي روايةٍ- وهم كَذلك. صحيح مسلم.

من الأمور المهمة التي حصل فيها اضطراب مؤخرا هو الفرق بين السني بالمعنى الخاص أو السني المحض أو السلفي والسني بالمعنى العام وعلاقة ذلك بالحكم على المعين بأنه مبتدع. فقد أخطأ عدد من الناس بظنهم أن المسلم أما أن يكون سنيا سلفيا على عقيدة السلف الصالح أو مبتدعا وهذا خلاف ما يفهم من كلام الشيخ الالباني وابن باز والعثيمين رحمهم الله تعالى.. وما يترجح من الأدلة.. فالصحيح أن المسلم أما سني بالمعنى الخاص (سني محض أو سلفي) أو سني بالمعنى العام أو مبتدع وهذا تقسيم صحيح في حق العلماء والعوام.

سأل سائل الألباني رحمه الله عن الاشاعرة: "سائل آخر : نقول إنّهم من أهل السّنّة بالمعنى العامّ وليس بالمعنى الخاصّ ؟
الشيخ : نعم هكذا أعتقد .
السائل : كان دقيقا لمّا قال ليسوا من أهل السّنّة المحضة .
الشيخ : جميل نعم ."سلسلة الهدى والنور - شريط : 364 توقيت الفهرسة : 00:33:48


وكلام الألباني رحمه الله هو ما عليه كثير من كبار أئمة السلف المتأخرين عندما سئلوا عن الأشاعرة في زمانهم وإليك بعض أقوالهم:

فجاء في فتاوى الشيخ عبدالرزاق عفيفي رحمه الله عندما سأل هل الأشاعرة والماتوريدية من أهل السنة؟ فأجاب: "الأشاعرة والماتريدية من أهل السنة فيما ‌وافقوا ‌فيه ‌أهل ‌السنة لا على العموم" (فتاوى ورسائل سماحة الشيخ عبدالرزاق عفيفي. صفحة 369)

وجاء عن الشيخ ابن باز رحمه الله: "الأشاعرة عندهم شيءٌ من مذهب أهل السنة، وعندهم شيءٌ من مخالفة السنة، فهم مع أهل السنة فيما وافقوا فيه أهل السنة، وهم مخالفون له فيما خالفوه فيه من تأويل بعض الصِّفات، وجميع ما يُؤخذ عليهم مما يُخالف أهل السنة لا يكونون من أهل السنة فيه، فكل كلمةٍ أو قاعدةٍ تخرج من الأشاعرة أو غير الأشاعرة بما يُخالف أهل السنة يُعتبر ذلك حَدَثًا منهم، وغلطًا منهم، لا يُتابَعون عليه، ومن ذلك التأويل -تأويل بعض الصفات- فأهل السنة لا يؤولون الصِّفات، بل يُمرونها كما جاءت، كما قال مالك رحمه الله والنسائي، وربيعة، وغيرهم: "أمرُّوها كما جاءت، بلا كيفٍ"، وهكذا أهل السنة يُمرونها كما جاءت، لا يُحرِّفون، ولا يُعطِّلون، ولا يُمَثِّلون، بل يؤمنون بما دلَّت عليه الآيات والأحاديث، مع عدم التأويل، مع اعتقاد قوله سبحانه: لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِير [الشورى:11]."فتاوى الدروس هل الأشاعرة من أهل السنة والجماعة؟"

وقال الشيخ ابن عثيمين رحمه الله: "‌الأشاعرة من أهل السنة والجماعة فيما ‌وافقوا ‌فيه ‌أهل ‌السنة والجماعة، وهم مخالفون لـ أهل السنة والجماعة في باب الصفات؛ لأنهم لا يثبتون من صفات الله إلا سبع صفات، ومع هذا لا يثبتونها على الوجه الذي أثبتها عليه أهل السنة، فلا ينبغي أن نقول هم من أهل السنة على الإطلاق، ولا أن ننفي عنهم كونهم من أهل السنة على الإطلاق، بل نقول: هم من أهل السنة فيما ‌وافقوا ‌فيه ‌أهل ‌السنة، وهم مخالفون لـ أهل السنة فيما خالفوا فيه أهل السنة، فالتفصيل هو الذي يكون به الحق، وقد قال الله تعالى: {وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا} [الأنعام:152] ، فإخراجهم من أهل السنة مطلقاً ليس من العدل، وإدخالهم في أهل السنة بالإطلاق ليس من العدل أيضاً، والواجب أن يعطى كل ذي حقٍ حقه" (لقاء الباب المفتوح 6\20).

التوفيق بين كل ذلك:

عندما سئل ابن عثيمين رحمه الله عن المعتزلة أجاب: ‌"المعتزلة ‌هم ‌طائفة ‌مبتدعة ‌يقولون ‌في ‌الله وفي كلام الله وفي أفعال الله ما يخالف مذهب أهل السنة والجماعة ورئيسهم عمرو بن عبيد وواصل بن عطاء وسموا معتزلة لأنهم اعتزلوا مجلس الحسن البصري" (4\2). لاحظ كيف أجاب الشيخ رحمه الله بوصفهم بأنهم مبتدعة صراحة بينما امتنع عن إخراج الأشاعرة في زمنه من أهل السنة وكلام الالباني رحمه الله على هذا النحو.

والحقيقة أن التوفيق والتوضيح في كلام ابن تيمية رحمه الله عن الأشاعرة: "وإن كان في كلامهم من الأدلة الصحيحة، وموافقة السنة ما لا يوجد في كلام عامة الطوائف، فإنهم أقرب طوائف أهل الكلام إلى السنة والجماعة، والحديث، وهم يعدون من أهل السنة والجماعة عند النظر إلى مثل المعتزلة، والرافضة وغيرهم، بل هم أهل السنة والجماعة في البلاد التي يكون أهل البدع فيها هم المعتزلة، والرافضة ونحوهم." انتهى.

والتوفيق بين كل ذلك أن وصف طائفة أو شريحة من علماء المسلمين بأنهم مبتدعة يتفاوت لأمور ومنها تفاوت ظهور السنة المحضة بشكل عام من زمان إلى زمان ومكان إلى مكان واتعجب من محاولة بعض المعاصرين صرف كلام شيخ الإسلام رحمه الله هنا عن ظاهره وأما الحق فهو ما تقدم ذكره. وعلى هذا يكون المسلم سنيا محضا بالمعنى الخاص تارة وسنيا بالمعنى العام تارة ومبتدعا تارة أخرى بحسب خطئه وظهور الحق في زمانه ومكانه وعلى هذا الأشاعرة. فالحكم على شخص بالابتداع ليس مجرد اصطلاحا علميا كما يظن البعض بل هو وصف لذلك المسلم يترتب عليه أحكام خاصة فهو مستحق للبغض والكراهة لما هو عليه من بدعة. ففي زمن المشايخ المتقدم ذكرهم كان الاشاعرة داخلين في السنة بالمعنى العام ولا يلزم أن يبقى حكمهم كذلك في زماننا ولا يلزم أن لا يكون بعض أعيانهم مبتدعة لكن الأصل الذي يقوم عليه التبديع باق. وقد يترادف السني المحض والسني بالمعنى العام في بعض البلاد وبعض الأزمان دون بعض. فيفهم من مجموع كلام أئمة السلف المتقدم أن تعريف السني بالمعنى العام مداره على ما عليه عامة عوام وعلماء المسلمين من أهل السنة المنتسبين لها في الزمان والمكان وان خالفوا السنة المحضة. ويراعى في كل ذلك طبقة المكلفين العلمية.

فالحق أن السلفي وصف زائد على السني أي أنه سني بالمعنى الخاص و يقابله السني بالمعنى العام الذي خلط عملا صالحا وأخر مخالفا للسنة المحضة.. فمتى ظهرت السنة المحضة في الزمان والمكان تقارب المسمى السني العام مع الخاص وعلى ذلك يكون التبديع .. فالاصل في المسلم السلامة من كونه مبتدعا كما يفهم من اقوال أئمة السلف فهو سني بالمعنى العام وأما الوصف بالسلفية او الابتداع فهذا يحتاج الى دليل يراعى فيه ظهور السنة المحضة في الزمان والمكان ومن نظر في أحوال المسلمين في مختلف الأمصار اطمأن قلبه لهذا التقسيم.