الأستاذ عيسى بن سهيل الفلسطيني

الحدادية

نصائح في الرد على الحدادية

بسم الله والصلاة والسلام على رسول الله أما بعد…

ففي الآونة الاخيرة وقفت على عدد من المقاطع على الشبكة فيها دعاة يردون على الحدادية ومن أبرز هؤلاء الخليفي ومحمد شمس الدين هداهم الله. فلابد أن يعلم أولا أن خلافنا مع الحدادية هو طعنهم في علماء المسلمين وخروجهم عن جادة أئمة السلف المتأخرين .. فهم في حقيقتهم خوارج وهذا أمر يكون بيانه في مقام آخر إن يسر الله سبحانه وتعالى. ولكني أردت هنا أن أبين بعض ما لاحظت من الأخطاء الشائعة في الردود على الحدادية بعضها أكثر خطورة من بعض سأسردها هنا نصحا للمسلمين عسى الله أن ينفع بهذه النصائح ويجعلها سببا في نصرة دينه ..

1- الحذر من تعطيل وتفويض أسماء الله وصفاته في الردود

لاحظت في بعض الردود على الحدادية أن بعض الدعاة توسع في الرد على الحدادية فأخذ يرد عليهم في كل أقوالهم مما أدى به إلى تعطيل بعض صفات الله سبحانه وتعالى ومثال ذلك صفة "الكلام النفسي" التي يجب اعتقادها اضافة لكلام الله اللفظي سبحانه وتعالى. فقد جاء في الحديث القدسي الصحيح: أنا عِندَ ظَنِّ عَبدي بي، وأنا معهُ إذا ذَكَرَني، فإن ذَكَرَني في نَفسِه ذَكَرتُه في نَفسي، وإن ذَكَرَني في مَلَإٍ ذَكَرتُه في مَلَإٍ خَيرٍ منهم، وإن تَقَرَّبَ إليَّ بشِبرٍ تَقَرَّبتُ إليه ذِراعًا، وإن تَقَرَّبَ إليَّ ذِراعًا تَقَرَّبتُ إليه باعًا، وإن أتاني يَمشي أتَيتُه هَرولةً. رواه البخاري. وفي هذا الحديث أن الله تعالى يذكر عبده في نفسه اذا ما ذكره عبده وهذا صحيح صريح في وجوب اعتقاد صفة الكلام النفسي على الوجه اللائق في حق الله تعالى إضافة للكلام اللفظي. فالأصل في الكلام الحقيقة وليس المجاز ويدخل في ذلك صفات الله سبحانه وتعالى.

قال ابن تيمية رحمه الله: "مذهب " أهل الحديث " وهم السلف من القرون الثلاثة ومن سلك سبيلهم من الخلف: أن هذه الأحاديث تمر كما جاءت ويؤمن بها وتصدق وتصان عن تأويل يفضي إلى تعطيل وتكييف يفضي إلى تمثيل. وقد أطلق غير واحد ممن حكى إجماع السلف - منهم الخطابي - مذهب السلف: أنها تجري على ظاهرها مع نفي الكيفية والتشبيه عنها…" مجموع الفتاوى (6\355)

فإن قال قائل لم نجد سلفا يثبت صفة الكلام النفسي فالجواب أن وجود كلام للسلف رضي الله عنهم في إثبات الصفات لا يلزم مع وجود الحديث الصحيح الصريح بل هو خلاف الأصل وذلك لأن السلف رضي الله عنهم لم يكونوا يتكلمون في الصفات ابتداء!!فمعنى الصفات معلوم من لغة العرب بالضرورة لا حاجة إلى تفسيره إنما احتاج السلف رضي الله عنهم لتفسير الصفات لاحقا للحاجة وذلك بعد أن ظهر المبتدعة فلزم البيان..! فهذه طريقة السلف في الصفات التي يجب علينا اتباعها!! والأدلة على هذا متظافرة ومعروفة من كلام أئمة السلف رضي الله عنهم.. والكلام النفسي خاصة لم يشغب في تعطيلها أهل البدع وذلك لأنهم يتذرعون بثبوتها لتعطيل الكلام اللفظي لله سبحانه وتعالى.. فإن علم ذلك لم يكن في هذه الصفة خاصة خلافا مشهورا بين أهل البدعة وأهل السنة يستدعي كلام السلف فيها...

وإن كان فلابد فهذا كلام للالباني رحمه الله يصرح باعتقاده ثبوت هذه الصفة لله سبحانه وتعالى: "ولذلك فالقول بالكلام النفسي فقط ، أنا لا أنكر الكلام النفسي ، لأنه الكلام النفسي كما يقول أهل السنة هو : كالعلم الإلهي العلم الإلهي يعني يعلم كل ما سيقع ، فيمكن أن ربنا - عز وجل - يتحدث بشيء في نفسه لا ننكره ، أما أن نقول الكلام الإلهي هو نفسي وهو غير لفظي هذا هو الكفر بالكتاب وبالسنة والسنة الصريحة التي تشبِّه كلام الله كالإيش ي الحديث الصحيح ؟!"فتاوى عبر الهاتف والسيارة - شريط : 140

وأنصح بالرجوع الى مقطع للشيخ صالح السندي حفظه الله عنوانه "لماذا كثير من نصوص الصفات لم يوضح السَّلف معناها؟"https://www.youtube.com/watch?v=XxKX21sTNzo

ملاحظة: رأيت بعض المصادر وفيها أن “الكلام” في لغة العرب يلزم منه الحرف والصوت خلافا لل”حديث” الذي هو أعم. فأقول أنه اذا أطلق الكلام فالمقصود هو الحرف والصوت كما هو معلوم في لغة العرب خلافا لأهل الأهواء الذين نفوا كلام الله سبحانه وتعالى. فنحن نثبت الحرف للصوت لله سبحانه وتعالى ولكننا نثبت كذلك ما دل عليه ظاهر الحديث القدسي من ذكر في نفس الله سبحانه وتعالى وهذا هو معنى الصفة التي نثبتها هنا وعبر عنها بعضهم بال”كلام النفسي” اضافة الى الكلام المعروف.

2- الحذر من تعطيل معاني الصفات الواردة في الألفاظ المجملة

ومن الأخطاء أيضا تعطيل بعض الدعاة للمعاني الصحيحة التي تدل عليها بعض ما يعرف بالألفاظ المجملة وهم لا يشعرون... فالحاصل أن الحدادية يتكلمون عن معتقد أهل السنة بألفاظ لم ترد في الكتاب والسنة صراحة أو اختلف في ثبوتها لفظا ولكنها تحتمل معان صحيحة وجب على كل مسلم سني الإيمان بها ومنها المكان والحد والحركة وغير ذلك.. وهنا لابد من ملاحظة أمور: أولا هذه الألفاظ لم يأت بها الحدادية من عندهم بل هي منقولة من كلام أئمة أعلام كابن المبارك والدارمي وغيرهم رحمهم الله فلابد من مراعاة ذلك على نحو يليق بقائلها.. ثانيا هذه الالفاظ أن استعملت للحاجة في سياق لا يتبادر الى ذهن المستمع الا المعنى الصحيح فلا وجه لانكار استعمالها.. بل استعمالها أولى من العدول الى غيرها.. بل إنكار استعمالها هو الخطأ.. ثالثا لو قدر أن الحدادية استعملوا هذه الالفاظ في موضع يوهم المعنى الخاطئ الواجب بيان وهم ذلك المعنى أولا لأن ذلك أولى من انكار اللفظ ذاته بل هو المقصد من العدول عن الألفاظ المجملة ابتداء!..والحاصل في هذه الفتنة أن الحدادية يستعملون هذه الألفاظ المجملة فيسارع من يرد عليهم بانكار هذا الاستعمال بنوع تشنيع فيتبادر الى ذهن السامع ان الراد على الحدادية ينكر المعنى الصحيح الذي يدل عليه اللفظ وهذا أمر خطيرجدا!! .. فالذي يترتب على طريقة الإنكار هذه هي نفس العلة التي عدل المتأخرون عن استعمال هذه الألفاظ ابتداء… فتأمل…

3- الحذر من إنكار الفضائل والصفات التي اختلف فيها أهل السنة

ومن الأخطاء كذلك أن بعض الصفات والفضائل كاجلاس الرسول عليه الصلاة والسلام على عرش الرحمن وكاثبات الذراعين والصدر لله تعالى وغيرها هي أمور تنازع فيها المتأخرين من أئمة السلف تكون بمثابة فروع العقيدة التي لا إنكار فيها لقوة الخلاف ولاحتمالية ثبوتها فالأمر فيها بين توقف واثبات بل من تدبر كثيرا من هذه المسائل كالاجلاس يجد أن القول بثبوتها قول قوي..

فالحذر من إنكار هذه الصفات والفضائل التي قال بها أئمة سلف معتبرين باسم الرد على الحدادية..

4- لا يلزم من الذب عن علماء المسلمين إنكار اخطائهم بل وجب بيانها

ومن الأخطاء كذلك أنه لما طعن الحدادية في النووي رحمه الله وجد من يصحح بعض ما وقع فيه النووي من أخطاء وحمل تفويضه وتأويله لبعض الصفات على غير مراده على انها طريقة السلف وغير ذلك من أمور. وفي هذا خطر لأن الأخطاء لابد من بيانها كما هو معلوم. فيقال هنا لو ثبت أن النووي رحمه الله كان أشعريا في العقيدة فلا يلزم من ذلك تبديعه كما يظن هؤلاء الحدادية.. فظهور الحق يتفاوت من زمان إلى زمان ويراعى في أحكام التبديع وهذا أمر راجح وإن أشكل للوهلة الأولى و يكون بيانه في مكان أخر ان يسر الله سبحانه وتعالى.. ويكفينا الآن أنه وجد من أئمة السلف المتأخرين من يقول بأشعرية النووي دون تبديعه ومنهم الألباني رحمه الله: «مثل النووي وابن حجر العسقلاني وأمثالهم فهُم ‌من ‌الظلم ‌أن ‌يقال ‌عنهم ‌إنهم من أهل البدعة، أنا أعرف أنهما من الأشاعرة». [جامع تراث الألباني (6/ 163)] وأما الشيخ ابن باز وابن عثيمين رحمهم فلا أعلم لهم كلاما يبدعون فيه الأشاعرة باطلاق.

5- ليس أئمة السلف كغيرهم من علماء المسلمين

من الأخطاء الشائعة كذلك أن الذين يردون على الحدادية يجعلون علماء المسلمين على نسق واحد في إمامتهم.. فتجدهم يرجعون الى النووي رحمه الله وغيره لبيان مسائل الاعتقاد كما يرجعون الى ابن تيمية رحمه الله .. بل يجعلون ابن تيمية والعلماء الذين وقعوا في أخطاء في العقيدة على نسق واحد .. وهذا كله خطأ بين وظاهر.. فالإمام هو الذي يقتدى به من كل وجه خاصة في الاعتقاد الذي هو التوحيد وأما النووي رحمه الله فإمامته مقيدة فلا يرجع إليه في مسائل العقيدة ولا الى غيره ممن عرفوا بالزلل في هذا الباب. وهذا أمر لاشك فيه.. ومن هنا يظهر خطأ من شنع على من عدل عن نسبة الإمامة المطلقة الى النووي

قال الشيخ ابن عثيمين رحمه الله تعالى في ابن قدامة رحمه الله:قوله: «الإمام»، هذا من باب التَّساهل بعض الشيءِ، لأن الموفَّق ليس كالإِمام أحمد، أو الشَّافعي، أو مالك، أو أبي حنيفة، لكنه إِمام مقيَّد، له مَنْ يَنْصُرُ أقوالَه ويأخذُ بها، فيكون إِماماً بهذا الاعتبار، أما الإِمامةُ التي مثل إِمامة الإِمام أحمد ومَنْ أشْبَهَهُ فإِنَّه لم يصلْ إلى دَرجتها.

وقد كَثُر في الوقت الأخير إطلاق الإمام عند النَّاس؛ حتى إِنه يكون الملقَّب بها من أدنى أهل العلم، وهذا أمرٌ لو كان لا يتعدَّى اللفظَ لكان هيِّناً، لكنه يتعدَّى إلى المعنى؛ لأنَّ الإِنسان إِذا رأى هذا يُوصفُ بالإِمام تكون أقوالُه عنده قدوة؛ مع أنَّه لا يستحِقُّ. وهذا كقولهم الآن لكل مَنْ قُتِلَ في معركة: إِنَّه شهيد. وهذا حرام، فلا يجوز أن يُشْهَدَ لكل شخصٍ بعينه بالشَّهادة، وقد بَوَّبَ البخاريُّ رحمه الله على هذه المسألة بقوله: (بابٌ: لا يقول: فلانٌ شهيدٌ، وقال النبيُّ صلّى الله عليه وسلّم: «واللَّهُ أعلمُ بمن يُجاهدُ في سبيله، والله أعلم بمن يُكْلَمُ في سبيله») [الشرح الممتع :1/17]

6- تأثر بعض الرادين على الحدادية بأخطاء عقدية ومنهجية

ولاحظت كذلك أن بعض من يرد على الحدادية ممن ينتسب الى السلفية متأثر ببعض العقائد والمناهج الباطلة كالتكفير وغيرها من أمور خلافا لما اتفق عليه أئمة السلف المعاصرين كالشيخ ابن باز وابن عثيمين والالباني رحمه الله والشيخ صالح الفوزان حفظه الله ومن حذا حذوهم.. فلعل في هذا الحاصل سببا لرجوعه وغيره الى دأب العلماء الأكابر وسبيل المؤمنين..قال تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ (2) كَبُرَ مَقْتًا عِندَ اللَّهِ أَن تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ (3) (سورة الصف)

7- دعوة الى العلماء السلفيين بحق تصدر الردود

واخيرا مما لا يقل خطرا عن المذكور أنفا لاحظت أنه لما طعن الحدادية في العلماء أصبح القاصي والداني يرد عليهم سواء من المنتسبين الى السلفية وغيرهم..فان عددا ليس بقليل ممن ليسوا سلفيين اصلا أو ممن ثبتت وظهرت بدعهم يتذرعون بالرد على الحدادية لترويج باطلهم بين الناس.. فأسأل الله تعالى أن ييسر من أهل السنة الخلص من يتصدر لهذه الردود لتقليل شر هذه الفتنة..