الأستاذ عيسى بن سهيل الفلسطيني

الحدادية

الرد على كتاب أخطاء النووي

بسم الله والصلاة والسلام على رسول الله أما بعد…

قام أحد مشاهير الحدادية بتأليف كتابا يسرد فيه موافقة النووي رحمه الله لمذهب الأشاعرة في العقيدة أو لكثير من أصولهم. ووجدت أن الحدادية فرحوا بهذا الكتاب فرحا كبيرا وزعموا كذلك أن في هذا الكتاب إثبات أن النووي أصوله في العقيدة أشعرية فهو خالف أصول أهل السنة والجماعة وعليه يسوغ تبديعه بل جزموا بتبديعه..

فأقول ما يزعمهم هؤلاء الحدادية من حيث أصل التبديع صحيح.. فمن شذ عن أهل السنة والجماعة كمخالفته أصل كلي فإنه يبدع وان كان جاهلا ولا يشترط اقامة الحجة. وهذا ما عليه جماعة من العلماء المعاصرين فمن نظر مثلا في حال بلاد المسلمين اليوم وجد أن الأمر مستقر على تبديع عوام الشيعة. سأل الشيخ ابن باز رحمه الله بهل يعذر عوام الشيعة بجهلهم فأجاب: "قد يعذرون من جهة عدم التكفير إلا بعد البيان، لكن ما يعذرون في اتباع الباطل، يُعلّمون ويُوجّهون، ويستحقون الهجر؛ حتى يرجعوا عمَّا هم فيه من الباطل. أما التكفير، قد يعذرون من جهة التكفير حتى يُبيّن لهم... الرافضة، نسأل الله العافية." (1).لاحظ قول الشيخ "يستحقون الهجر" فهذا يفهم منه التبديع بل جاء عنه صراحة رحمه الله في موضع أخر تبديع الشيعة دون الكفار منهم (2) وأما قوله "يعلمون" فيفهم منه أنهم جهال لم تقم عليهم الحجة بالضرورة.

لكن هناك أمر دقيق لابد أن يتنبه اليه وهو أن الأصول التي يبدع من خالفها ليست أصول السنة المحضة في كل زمان ومكان كما يظن هؤلاء الحدادية بل من جمع كلام أئمة السلف وتدبره ووفق بينه تبين له أن الأصول التي لا يشترط اقامة الحجة على من خالفها لتبديعه هي المعلومة كونها مذهب أهل السنة بالضرورة في الزمان والمكان والحال. فهناك فرق بين اصول أهل السنة والجماعة المحضة وبين أصول اشتهرت على كونها أصول أهل السنة في زمان دون زمان لفشو الفتنة وخفاء الحق.. ولهذا قال ابن تيمية رحمه الله في ضابط التبديع: " ‌البدعة ‌التي ‌يعد ‌بها ‌الرجل ‌من ‌أهل ‌الأهواء ما اشتهر عند أهل العلم بالسنة مخالفتها للكتاب والسنة؛ كبدعة الخوارج والروافض والقدرية والمرجئة" (مجموع الفتاوى 35\414). وهذا هو المعنى الصحيح إن شاء الله لكلمة "اشتهر" اي المعلوم من السنة بالضرورة في الزمان والمكان والحال وليس بالضرورة السنة المحضة. فمن فارق ما عليه عامة المسلمين المنتسبين إلى السنة في الزمان والمكان وبحسب الحال كان مبتدعا ويستثنى من ذلك التبديع بداهة من فارقهم بحق الى السنة المحضة أو أهلها المنتسبين إليها على الحقيقة. 

فهذا التبديع المتقدم ذكره له نظير في تكفير الكافر الأصلي ومن التحق به. فمثلا من انتسب الى ملة كفرية أو أنكر المعلوم من دين الإسلام بالضرورة وان انتسب للاسلام كان كافرا دون اشتراط اقامة الحجة او اظهارها. وكذلك الحكم على "المبتدع الأصلي" إن صح التعبير فمن انتسب الى فئة معلوم كونها مبتدعة أو خالف المعلوم من كونه مذهب أهل السنة خلافا لمذهب أهل البدعة بالضرورة كان مبتدعا ولا يشترط في التبديع هنا اقامة الحجة. وهذا يختلف بالزمان والمكان والطبقة العلمية. فالمشهور أنه خلاف بين أهل السنة والبدعة عند العوام يختلف على ما هو معلوم عند العلماء في الزمان والمكان وعلى هذا يكون التبديع.

وأما بالنسبة للأشاعرة فلاشك أن اصولهم مخالفة لاصول أهل السنة والجماعة المحضة لكن كون أصول الأشاعرة بدعية لا يلزم أن يكون أمرا "مشتهرا" في كل زمان ومكان وعلى هذا الاشتهار يكون التبديع الذي لا يلزم فيه اقامة الحجة. فالراجح اذا أن التبديع اما (1) لا يشترط فيه اقامة الحجة اذا كانت المخالفة مشتهرة - معلومة بالضرورة - على كونها محل افتراق بين أهل السنة والبدعة واما (2) يشترط البيان قبل التبديع ان كانت المخالفة غير معلومة كونها مفارقة لمذهب أهل السنة بالضرورة. وكل ذلك بحسب الزمان والمكان والحال كما تقدم.

ولهذا وصف شيخ الاسلام ابن تيمية رحمه الله الأشاعرة بكونهم أهل السنة على الحقيقة في حال دون حال كما هو ظاهر كلامه: "وإن كان في كلامهم من الأدلة الصحيحة، وموافقة السنة ما لا يوجد في كلام عامة الطوائف، فإنهم أقرب طوائف أهل الكلام إلى السنة والجماعة، والحديث، وهم يعدون من أهل السنة والجماعة عند النظر إلى مثل المعتزلة، والرافضة وغيرهم، بل هم أهل السنة والجماعة في البلاد التي يكون أهل البدع فيها هم المعتزلة، والرافضة ونحوهم." بيان تلبيس الجهمية (3/ 536). ولهذا كان أئمة السلف المعاصرين كالشيخ ابن باز وابن عثيمين والألباني رحمهم الله وغيرهم يتوقفون عن تبديع الاشاعرة جملة وتفصيلا ويعدونهم أهل سنة بالمعنى العام دون الخاص مع معرفتهم فساد ما عليه الاشاعرة من اصول.

قال الشيخ ابن عثيمين رحمه الله: "‌الأشاعرة من أهل السنة والجماعة فيما ‌وافقوا ‌فيه ‌أهل ‌السنة والجماعة، وهم مخالفون لـ أهل السنة والجماعة في باب الصفات؛ لأنهم لا يثبتون من صفات الله إلا سبع صفات، ومع هذا لا يثبتونها على الوجه الذي أثبتها عليه أهل السنة، فلا ينبغي أن نقول هم من أهل السنة على الإطلاق، ولا أن ننفي عنهم كونهم من أهل السنة على الإطلاق، بل نقول: هم من أهل السنة فيما ‌وافقوا ‌فيه ‌أهل ‌السنة، وهم مخالفون لـ أهل السنة فيما خالفوا فيه أهل السنة، فالتفصيل هو الذي يكون به الحق، وقد قال الله تعالى: {وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا} [الأنعام:152] ، فإخراجهم من أهل السنة مطلقاً ليس من العدل، وإدخالهم في أهل السنة بالإطلاق ليس من العدل أيضاً، والواجب أن يعطى كل ذي حقٍ حقه" (لقاء الباب المفتوح 6\20).

وأما بالنسبة للنووي رحمه الله فانتسابه للاشعرية أو موافقته أصولها فمحتمل أنه انتساب أوموافقة من حيث كونها مذهب أهل السنة المشتهر حينها في ذلك الزمان والمكان.. وهذا كمثل انتساب كثير من المشايخ والعوام اليوم لمذهب من المذاهب الاربعة. فهم ينتسبون الى المذهب الفقهي من حيث أنه انتساب الى السنة. فالحاصل أن التبديع الذي لا يشترط فيه اقامة الحجة يستلزم أن يكون على اصول مشتهرة في الزمان والمكان على أنها أصول بدعية لا سنية وهذا قد لا يكون حاصلا بالنسبة للاشاعرة في زمن النووي رحمه الله. فزمانه ليس كزماننا ففي زمانه كان علم الكلام والشبهات الكلامية منتشرة انتشارا كبيرا واسعا والعياذ بالله قد يخفى بسببها الحق على العالم كالجاهل. قال الشيخ محمد خليل هراس شارح الواسطية رحمه الله واصفا المذهب الأشعري:

"..فقد قيض الله لمذهبه من رجال العلم والسلطان من اجتهد في نشره وأخذ الناس به حتى استفحل شأنه في القرون الوسطى الإسلامية لا سيما في مصر والشام وبلاد المغرب ولم يعد يقوى مذهب على معارضته. واعتقد الناس فيه أنه هو مذهب السلف حتى كانوا يرمون كل من خرج عليه بالمروق والالحاد.. وظلت الحال على ذلك الى أن ظهر في أوائل القرن الثامن الهجري زعيم المجددين وقائد النهضة الاسلامية الحديثة شيخ الإسلام تقي الدين أحمد ابن تيمية يمحل مشعل الدعوة الى مذهب السلف من جديد.. وكان هذا المذهب قد كان يندرس ولم يكن لو وجود الا في زوايا أهل الحديث من الحنابلة وغيرهم وهم أيضا لم يكونوا يستطيعون الجهر به أو افشاءه في الناس والا لحقتهم الاهانة وكان جزاؤهم الطرد والحرمان.." (ابن تيمية السلفي للهراس. صفحة 4)

وقال ايضا رحمه الله:"..ولعل انتشار المذهب الأشعري في ذلك العهد كما يدل عليه كلام المقريزي وتمكنه من نفوس العلماء والعامة واعتقاد الناس فيه أنه مذهب أهل السنة والجماعة هو الذي جعل ابن تيمية يسرف في نقده ويتعرض له كثيرا حتى يمحو من الأذهان ذلك السلطان الذي كان يتمتع به هذا المذهب في معظم أقطار الاسلام" (ابن تيمية السلفي للهراس. صفحة 23)

وفي هذه فائدة أن المذهب الأشعري ليس مقتصرا على العلماء كما يتصور البعض. فمن جهة التأصيل هو كذلك لكن لابد للعامة أن يتأثروا بمذهب علمائهم.. فمتى استحكم المذهب الأشعري في الأمصار تأثر العلماء والعامة سواء بين مقل ومستكثر. وهذه مناسبة لنحمد الله سبحانه وتعالى على ما ظهر من نعمة التوحيد في الأزمة الأخيرة بفضل الله ثم بدعوة الإمام المجدد محمد بن عبدالوهاب رحمه الله تعالى. أسأل الله أن يديم هذه النعمة العظيمة ويصرف عنا الفتن ما ظهر منها وما بطن.

  1. https://binbaz.org.sa/fatwas/23996/%D9%87%D9%84-%D9%8A%D8%B9%D8%B0%D8%B1-%D8%B9%D9%88%D8%A7%D9%85-%D8%A7%D9%84%D8%B4%D9%8A%D8%B9%D8%A9-%D8%A8%D8%AC%D9%87%D9%84%D9%87%D9%85
  2. https://binbaz.org.sa/fatwas/1229/%D8%A8%D9%8A%D8%A7%D9%86-%D8%A7%D9%82%D8%B3%D8%A7%D9%85-%D8%A7%D9%84%D8%B4%D9%8A%D8%B9%D8%A9-%D9%88%D8%A7%D9%84%D8%AD%D9%83%D9%85-%D8%B9%D9%84%D9%8A%D9%87%D9%85